لماذا نخاف من الحرية أكثر من القيود؟

يعالج النص التناقض بين السعي الى الحرية والخوف منها، ويحلل كيف تحولت الحرية من حلم جماعي اثناء الحروب الى عبء نفسي بعد زوال القيد، مستندا الى طرح اريك فورم ومفهومي الحرية السلبية والحرية الايجابية لفهم القلق والمسؤولية في المجتمعات الحديثة

لماذا نخاف من الحرية أكثر من القيود؟
من القيد الى القلق الوجه الاخر للتحرر


اذا عرفنا الحرية، فهي الحالة التي يمتلك فيها الانسان القدرة على ان يفعل ما يريد، او يقول ما يريد، او يفكر كما يشاء، دون ان يخضع للتحكم او التقييد الخارجي. الحرية بهذا المعنى هي نقيض العبودية، وهي من اسمى القيم التي سعى اليها الانسان عبر تاريخه، حتى باتت تبدو كغاية لا يعلو فوقها شيء. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: كيف يمكن لهذه القيمة الجوهرية ان تتحول من حلم منقذ الى عبء نفسي لا يطاق؟ وهل الانسان يميل بطبيعته الى العبودية والخضوع، ام ان العبودية ليست سوى هروب من اعباء اخرى اشد وطاة؟

خلال الحرب العالمية الثانية، وفي ظل الجرائم والحروب والحكم النازي والفاشي، تقلصت خيارات الانسان بشكل حاد، وانحصرت حياته في حدود ما يفرضه الواقع القاسي. في تلك المرحلة، لم تعد الحرية مفهوما مجردا او حقا سياسيا، بل اختزلت في ابسط اشكالها: البقاء على قيد الحياة. ولهذا تحولت الحرية الى حلم جماعي، يتمنى الناس مجرد الاقتراب منه.

في هذا السياق، ظهر مفهوم الحرية من الخوف، الذي طرحه الرئيس الامريكي السابق فرانكلين د روزفلت ضمن خطابه الشهير عن الحريات الاربع، وهي حرية التعبير، الحرية الدينية، الحرية من الحاجة، والحرية من الخوف. قدم روزفلت هذا الخطاب الى الكونغرس في يناير عام 1941، ثم الى العالم اجمع كاساس اخلاقي للحرب ضد المانيا وايطاليا واليابان. لاحقا، تحول مبدأ التحرر من الخوف الى حق انساني اساسي، واعتمد عام 1948 ضمن الاعلان العالمي لحقوق الانسان، وعدد من المواثيق الدولية والوطنية.

مثل خطاب روزفلت تحولا محوريا في ترسيخ فكرة ان الانسان لا يمكن ان يعيش حياة كريمة في ظل الخوف الجماعي، والحروب، والجرائم، والاضطراب المستمر. لم يكن الخوف في نظره مشكلة فردية، بل ظاهرة اجتماعية يمكن معالجتها فقط بانهاء الحرب واستعادة الحرية. وكان لهذا الخطاب دور تحفيزي كبير لجنود الحلفاء في الحرب العالمية الثانية ضد النازية والفاشية.

وبالفعل، انتصرت الولايات المتحدة والدول المتحالفة، وسقطت الانظمة الاستبدادية في اوروبا، وحققت الشعوب ما طالما حلمت به: التحرر. لكن هنا برز سؤال لم يكن مطروحا اثناء الحرب: هل كان امتلاك الحرية كافيا لتحقيق السلام النفسي والبيئة الانسانية التي سعوا اليها؟

هنا يتجلى التناقض البشري في اقسى صوره. فبعد زوال الانظمة القمعية، ظهرت فجوة نفسية كانت تملؤها سابقا السلطة الاستبدادية. ولم يكن هذا مقتصرا على الولايات المتحدة، بل شمل المجتمعات التي عاشت طويلا تحت الحكم النازي والفاشي، ثم وجدت نفسها فجاة امام واقع جديد: حرية كاملة دون وصاية. فكيف كان وقع هذه الحرية عليهم؟

في زمن الحرب، كان الهدف واضحا ومسارا واحدا يفرض نفسه: النجاة. الخيارات محدودة، والمسؤوليات الشخصية شبه غائبة. اما بعد انتهاء الحرب، فقد اصبح الفرد مسؤولا عن هويته، عمله، مستقبله، نجاحه وفشله. لم يعد هناك طريق واحد مفروض، بل مسارات متعددة، وكل اختيار يحمل نتائجه، سلبا او ايجابا، ويتحملها الانسان وحده.

هنا ظهر القلق. لم تكن هذه هي الحرية التي تخيلها كثيرون. فالحرية ليست فقط ان تفعل ما تريد، بل ان تختار، وان تتحمل مسؤولية هذا الاختيار. ومع اختفاء الخوف الخارجي، برز خوف اكثر عمقا وتعقيدا: الخوف الداخلي.

هذا ما عبر عنه المحلل النفسي والفيلسوف الاجتماعي اريك فورم في مفهومه الشهير الخوف من الحرية. يرى فورم ان الانسان، رغم سعيه الدائم الى الحرية، قد يخشاها في العمق، لانها تجلب معها العزلة، والوحدة، وثقل المسؤولية. ولهذا قد يلجا بعض الافراد طواعية الى الخضوع لانظمة استبدادية او افكار شمولية، هربا من مساحة الحرية نفسها. هذا النمط يسميه فورم الحرية السلبية، اي التحرر من القيود الخارجية دون امتلاك القدرة النفسية على استخدام الحرية.

في المقابل، يطرح فورم مفهوم الحرية الايجابية، وهي قدرة الانسان على استخدام ذاته بشكل تلقائي وابداعي. الحرية الايجابية تعني ان يعيش الفرد ذاته بصدق، وان يعبر عن مشاعره واحتياجاته، وان يبني علاقات حقيقية مع الاخرين، بعيدا عن السطحية او التبعية. ولا تتحقق هذه الحرية، بحسب فورم، الا عندما يستخدم الانسان حريته لبناء امن داخلي قائم على العقل، والتضامن، والمحبة، لا على الخضوع او التدمير.

من هنا، قد لا تكون المشكلة في غياب الحرية بقدر ما هي في ثقلها. فالانسان الذي ناضل طويلا ليكون حرا، لم يكن دائما مستعدا لمعنى الحرية الحقيقي. فالحرية تتطلب شجاعة الاختيار، والاستعداد لتحمل المسؤولية، وقبول الوحدة احيانا. وهكذا، بين الخوف من القيد والخوف من الحرية، يبقى السؤال مفتوحا: هل نريد الحرية حقا، ام نريد فقط ان نتحرر من الخوف؟